الشيخ محمد رشيد رضا

345

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سيرتهم الفضلى في فتوحهم ، وعدلهم المطلق في أحكامهم ، وصلاحهم وإصلاحهم في أعمالهم ، وبذلك انتشر الاسلام في الشرق والغرب ، وساد أهله الأمم والشعوب بسرعة لم يعرف لها نظير في التاريخ فاسلام الأمة العربية كان بتأثير هداية القرآن وهدي النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجهاده به ، كما قال تعالى ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ * نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا * وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ) وقال لنبيه ( وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ) وقد كان كل ما كان من اضطهاد رؤساء قومه المعاندين له ( ص ) لأجل صدّه عن تبليغ القرآن للعرب ، لجزمهم بما يكون من جذبهم به إلى اتباعه كما قال لهم عمه أبو لهب في أول العهد بتبليغهم الدعوة : خذوا على يديه ، قبل أن تجتمع العرب عليه . ولم يكن ( ص ) يطلب منهم ثم من كل من كان يعرض نفسه عليهم في الموسم الا حمايته ليبلغ دعوة ربه . ولما أسلم من أسلم من الأنصار في موسم الحج سرّا ، ونشروا الدعوة في عاصمتهم يثرب ، وصار لهم قوة يحمونه بها من قريش ، هاجر إليهم . فما زالت قريش تقاتله إلى أن رضي منهم بعد استكمال قوته أن يصالحهم في الحديبية بالشروط التي يرضونها مع كراهة أصحابه كلهم لها في مقابلة الشرط الوحيد الذي كان هو أهم المهمات عنده عليه صلوات اللّه وسلامه ، وهو حرية الاختلاط والاجتماع بينه وبين سائر العرب ، لعلمه بأن سماعهم للقرآن ولا سيما منه كاف لاسلام السواد الأعظم منهم ، وكذلك كان وكذلك ما فعل خلفاؤه وأصحابه الهادون المهديون من العجائب في نشر الاسلام وفتح الأقطار ، وثل عروش أعظم دول الأرض قوة وعظمة ونظاما وتشريعا وحضارة ، وتبديل ممالكهم وشعوبها بذلك كله ما هو خير منه - ما فعلوا ذلك كله إلا بتأثير القرآن وأما انتشار الاسلام في الأعاجم فقد كان بتبليغ الصحابة ثم من تبعهم في هديهم من العرب فالعجم للدعوة ، وكان برهانهم عليها من أحوالهم الصالحة وسيرتهم الحسنى أقوى تأثيرا في تلك الشعوب من أقوالهم التي كانت تنقل إليها بالترجمة ، ولم ينتشر الاسلام في شعب منها بترجمة القرآن بلغته ، وقراءتهم